سيدة المستشفى للكاتب/ أحمد محمود شرقاوي

نُشر منذ 5 أيام
حفظ
غلاف المقال

لما كنت دكتورة في سنة الإمتياز جالي التكليف بتاعي في قسم الطوارئ في مستشفى حكومي كبيرة ومعروفة في مكان شعبي نوعًا ما، وعرفت من أول يوم إن قسم الطوارئ هناك هو أكتر قسم مُرعب ممكن تعدي عليه أو تشوفه بس من بعيد، كل دقيقة تقريبًا بيجي واحد جسمه متقطع، إما في خناقة أو دــ,,ـــــادثة..

مشهد الد م قدام عنيك بيكون أكتر مشهد تقليدي ومتكرر بتشوفه، لدرجة إنك ممكن تشوف واحد بيمـ ـوت قدامك، وتشوف واحد منظر جسمه مش طبيعي وأعضاء مخلوعة من مكانها، ورغم الرعب اللي كنت فيه إلا إن التكرار والروتين بيحولك لإنسان بارد تمامًا، لأنك لو متعلمتش البرود استحالة تقدر تكمل يوم واحد في المكان ده..

ومع الوقت اتعودت فعلًا، وبقيت أنا اللي بستقبل المُصاب مع أهله واتكلم معاهم بكل هدوء رغم إن ممكن المُصاب يكون جاي والسكــ,,ـــــينة مغروزة في جسمه، وبقيت بشوف شغلي لدرجة إن الكل كان بيشكر فيا وفي طريقتي في التعامل مع أهل المُصاب وازاي كنت بمتص غضبهم بدون أدنى مجهود مني، لحد ما في يوم اتفاجئت بواحدة ست قدامي شكلها غريب، لابسة عباية سودة ومطلعة خصلة شعر بيضا من الحِجاب بتاعها، وشها شاحب أوي وعنيها جامدة.

. فكرتني بالستات بتوع زمان اللي كانوا بيروحوا للجنازة يصرخوا ويندبوا على المـ ـيت وياخدوا فلوس، كنت بسمع إنهم بنفس الشكل ده، قالتلي بصوت هادي إن بنتها جت انهاردة في دــ,,ـــــادثة وعاوزاني أشوفلها بنتها راحت فين بالظبط، قولتلها تروح الاستقبال تسأل عليها بس الغريب إنها قالتلي: ـ عاوزاكي أنتي اللي تشوفيهالي بنفسك..

في الأوقات العادية شخص زي ده بتجاهله تمامًا، أو بقولها حاضر وبكمل شغلي، لكن حاجة في عنين الست دي قالتلي مينفعش أتجاهلها، يمكن هيئتها، ويمكن شكلها، حاجات كتير خلتني اسألها على اسم بنتها، وبهدوئها المعتاد قالتلي: ـ حنان السيد أحمد.. طلعت على الاستقبال وفتشت في أسماء المصابين اللي وصلوا الطوارئ من بداية اليوم على اسم حنان لكن ملقتوش، دورت على اسم مُشابه؛

مثلًا حنان سيد، حنان أحمد، حنان أحمد سيد، لكن مفيش ولا اسم حنان إطلاقًا، فتحت كشف اليوم اللي قبله ودورت وبرضه مفيش.. رجعت للست عشان اسألها يمكن قالتلي اسم بنتها غلط، لكن الست مكنتش موجودة، استغربت الموضوع لكني تجاهلته ورحت عشان أكمل شغلي مرة تانية، وبعد ٣ أيام لقيت نفس الست قدامي وقالتلي إن بنتها جت في دــ,,ـــــادثة وعايزة تشوفها، وقتها كنت نسيت الموضوع نوعًا ما، سألتها إن كانت جتلي هنا قبل كدا قالتلي: ـ لا.

. ومن دوشة المكان طلعت وفتشت على اسم البنت وبرضه مفيش، اليوم اللي قبله مفيش، رجعت للست ومكنتش موجودة، ورغم إن الموضوع بقا غريب إلا إني كملت شغلي.. وبعد ٣ أيام كمان جتلي الست ووقتها افتكرتها، وقالتلي عايزة توصل لبنتها (حنان السيد أحمد) وقتها لقيت نفسي بنفعل عليها وقولتلها إنها بتخرف وإن مفيش بنت جت هنا بالاسم دا الأيام دي، لقتها بصوت بارد أوي قالتلي: ـ هو أنتوا الحاضر عندكم بينسيكم خطايا الماضي، أنا مش همشي من هنا إلا لما أخد حاجة بنتي كلها.

. قالت الكلام الغريب ده ومشيت من قدامي، فضلت أراقبها لحد ما تاهت وسط الناس وفضل عقلي مشغول بيها، وبقيت طول اليوم بشوفها بتراقبني، أغير لمصاب ألاقيها واقفة آخر العنبر بتبص ناحيتي، أروح أجيب حاجة من المخزن ألاقيها في الطرقة، أخرج برة المستشفى ألاقيها على الكوبري اللي قصادي، واقفة بصورة غريبة وبتبرق بعيون مُخيفة أوي..

فضلت شاغلة بالي يوم كامل لحد ما فضلت أفكر وأفكر، الست بتقول (الماضي) يمكن بنتها جت هنا مثلًا من فترة وهي دلوقتي في الرعاية أو قسم تاني، ليه مشوفش الأرشيف يمكن ألاقيها جت فعلًا بس من فترة، عشان كدا نزلت الأرشيف ودورت، سيستم الكمبيوتر كان بيسجل كل شهر الحالات، عشان كدا كلمت البنت بتاعة الأرشيف تشوفلي اسم البنت دي (حنان السيد أحمد).

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
اT

المملكة_ The Kingdom ✦ ناشر

كاتب · EG

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
128مقالًا 0متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

الأكثر قراءة الان